فخر الدين الرازي

194

القضاء والقدر

وأما حمل القدر على العلم ، فضعيف . لأنه إن حمل على أي علم كان ، فهو باطل . بدليل : أن من علم ذات اللّه وصفاته . لا يقال : إنه قدر ذات اللّه وصفاته ، وإن حمل على العلم المقتضى إيقاع الفعل على وجه خاص ، فهذا يقتضي أن لا يحصل القدر إلا مع التخليق والتكوين . وإن حمل على علم اللّه بكيفية أفعال العباد ، فالجبر أيضا لازم . لما ثبت : أن خلاف معلوم اللّه : محال الوقوع . وأما قوله : « الإيمان بالقدر ، محمول على أن خالق اللذات والآلام ، هو اللّه » قلنا : هذا ضعيف . لأن قولنا : لا إله إلا اللّه ، تصريح بنفي الإلهين . وذلك يدل على أن خالق المنافع والمضار ، هو اللّه . فلما أوجب بعده الإيمان بالقدر ، وجب أن يكون المراد من القدر شيئا آخر ، سوى ذلك . وما ذاك إلا الإيمان بأن الطاعات والشرور كلها من اللّه . وأما قوله : « المراد من ذلك : إثبات أن القدر من العبد » قلنا : هذا مدفوع بما أنه جاء في بعض الروايات : « وأن تؤمن بأن القدر خيره وشره من اللّه » . وأما قوله : « مذهب علي بن أبي طالب ، نفي الجبر ، والراوي إذا خالف روايته دل على ضعف في الرواية » قلنا : لا نسلم أن مذهب « عليّ » ما ذكرتم . وسيأتي تقريره ، إن شاء اللّه تعالى . الحجة الثالثة : روى الشيخان في الصحيحين « 1 » بإسنادهما عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، قال : سمعت عبد اللّه بن مسعود ، يقول : حدثنا رسول اللّه عليه السلام ، وهو الصادق المصدوق : « إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ، أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث اللّه إليه الملك بأربع كلمات . فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد » قال : « وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعلم أهل النار ، فيدخلها . وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة ، فيدخلها » . والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : إنه تعالى لما حكم به بأنه شقي ، امتنع أن يصير سعيدا ، وإلا لزم أن ينقلب الخبر الصدق : كذبا ، وأن ينقلب العلم : جهلا . وكل ذلك محال .

--> ( 1 ) الحديث رواه البخاري في القدر باب في القدر ( 8 / 152 ) ؛ وفي بدء الخلق باب ذكر الملائكة ( 4 / 135 ) ؛ وفي الأنبياء باب خلق آدم وذريته ( 4 / 161 ) ؛ وفي التوحيد باب ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ) ( 9 / 165 ) ؛ ورواه أيضا مسلم في القدر باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ( 4 / 2036 رقم 2643 ) ؛ وأبو داود في السنة باب في القدر ( 4 / 227 رقم 4708 ) ؛ والترمذي في القدر باب ما جاء أن الأعمال بالخواتيم ( 4 / 446 رقم 2137 ) ؛ وابن ماجة في المقدمة باب في القدر ( 1 / 29 رقم 76 ) ؛ وأحمد ( 382 و 430 ) .